يوسف زيدان
82
إعادة اكتشاف ابن نفيس
فإذا عرفنا أن الحمّامات في القاهرة القديمة لم تكن مجرد مكان للاغتسال ، وإنما هي - أيضا - ملتقى للناس ، يشبه المقاهي في القاهرة الحديثة ؛ أدركنا كيف كان استغراق العلاء ( ابن النفيس ) في مشكلة علمية ، كالنبض ، وسط هذا الضجيج ونبض الحياة اليومية ! ونظرا للطابع الموسوعى الذي تميّز به علاء الدين القرشي ( ابن النفيس ) فقد كان ينتقل بيسر بين العلوم والمعارف ، وربما طرأت على ذهنه قضية ما ، وهو يعالج موضوعا آخر ، أو يشرح كتابا . . ولهذا فإن المتأمّل في مؤلفاته يلحظ كيفية إدخاله للقضية الطارئة ، وسط الموضوع الرئيسي الذي يكتب فيه . وهو يسمى هذه القضايا الطارئة التي تعنّ له ، بالبحوث المفردة . . فمن ذلك : في شرحه على كليات قانون ابن سينا ، يوقف العلاء ( ابن النفيس ) سياق الشرح في أثناء الكلام عن الاستحمام والتدليك وتفتيح المسام ، ليضع بحثا مستقلّا في الحمّام ، ذلك على النحو التالي « 1 » : ومنافع الحمام ؛ التنويم بالترطيب والتفتيح ، أي تفتيح المسام ، ذلك بإزالة الوسخ وتليين الجلد وإرخائه . . ويحبس الإسهال . بحث مفرد . رأينا إيراده هاهنا ، وإن كان غير في الشرح ؛ فمن أراد فليكتبه ، ومن أراد فليتركه « 2 » : أما اختيار كيفية بناء « 3 » الحمّام ، وما المادة التي ينبغي أن يكون بناؤه منها ؛ فقد ذكرنا ذلك في كتاب مفرد عملناه في الحمّام . وأما اختيار هيئته ، فقد بيّنا أولا أنه يجب أن يكون واسع الفناء ، ويجب أن يشتمل في داخله على بيوت تتدرّج « 4 » في الحرارة ، ليكون الوصول إلى الموضع الحار بتدرج . وكذلك يجب أن يكون فيه
--> ( 1 ) النصّ من كتاب شرح كليات القانون استخرجناه هنا بعد المقابلة بين نسختين مخطوطتين للكتاب ، هما : مخطوطة برلين رقم 6273 ( الورقة 19 أ ، وما بعدها ) ونرمز لها بالحرف ب . . مخطوطة الجامع الكبير بصنعاء رقم 5 / طب ( الورقة 28 ب وما بعدها ) ونرمز لها بالحرف ج . ( 2 ) تدل هذه العبارة على أن ابن النفيس كان يملى شروحه على تلامذته ، أو هو يقوم بتدريس هذه الشروح لهم كمقرر دراسى . ( 3 ) ب : ماء . ( 4 ) ج : بتدرج .